وهبة الزحيلي

209

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

هذا كله في حال التعدي والعمد ، أما في حال الخطأ فتجب الدية أو بعضها أو التعويض المقدر قضاء . ثم أشار اللّه تعالى إلى العامل الإنساني وهو العفو والصفح والتسامح ، فقال : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ أي تصدق بحقه في القصاص وعفا عن الجاني ، فالتصدق كفارة له ، يكفر اللّه بها ذنوبه ويعفو عنه : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [ البقرة 2 / 237 ] . وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من تصدق بشيء من جسده أعطي بقدر ما تصدق » وهو حديث حسن . ومن أعرض عما أنزل اللّه من القصاص القائم على العدل والمساواة بين الأشخاص ، فهو من الظالمين الجائرين الذين يظلمون أنفسهم وغيرهم ، ويتعدون حدود اللّه ، ويضعون الشيء في غير موضعه . وهنا تساؤل : أي فائدة في ذكر الظلم بعد الكفر ، والكفر أعظم من الظلم ، والظلم أخف منه ؟ والجواب : أن الكفر تقصير في حق الخالق سبحانه ، والظلم تقصير في حق النفس « 1 » . ثم بين تعالى أن التوراة شريعة أنبياء بني إسرائيل ، فقال : وأتبعنا على آثار أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم ، فهو آخر نبي لليهود ، مصدقا للتوراة التي تقدمته قولا وعملا أي مقرا بأنه كتاب من عند اللّه وأنه كان حقا واجب العمل به ، يعمل بها فيما لم يغاير الإنجيل ، قال عيسى عليه السلام : « ما جئت لأنقض الناموس ( شريعة التوراة ) ولكن لأكمل أو لأتمم » أي لأزيد عليها بعض الأحكام والمواعظ .

--> ( 1 ) تفسير الرازي : 12 / 8